ابن أبي الحديد

11

شرح نهج البلاغة

ثم قال : والتاركون : أي يتركون الواجبات . ثم قابل ذلك بقوله : ( والمأخوذ منهم لان الاخذ في مقابلة الترك ، ومعنى الاخذ منهم انتقاص أعمارهم ، وانتقاض قواهم ، واستلاب أحبابهم وأموالهم . ثم شبههم بالنعم التي تتبع نعما أخرى . سائمة أي راعية ، وإنما قال ذلك لأنها إذا اتبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يسيمها راعيها . والمرعى الوبي : ذو الوباء والمرض . والمشرب الدوي ذو الداء ، وأصل ( الوبي ) اللين الوبئ المهموز ، ولكنه لينه ، يقال : أرض وبيئة على ( فعيلة ) ، ووبئة على ( فعلة ) ، ويجوز أوبأت فهي موبئة . والأصل في الدوي ( دو ) بالتخفيف ، ولكنه شدده للازدواج . ثم ذكر أن هذه النعم الجاهلة التي أوقعت أنفسها في هذا المرتع والمشرب المذمومين كالغنم وغيرها من النعم المعلوفة . للمدي : جمع مدية ، وهي السكين ، لا تعرف ماذا يراد بها ، وتظن أن ذلك العلف إحسان إليها على الحقيقة . ومعنى قوله : ( تحسب يومها دهرها ) ، أي تظن أن ذلك العلف والاطعام كما هو حاصل لها ذلك اليوم ، يكون حاصلا لها أبدا . و ( شبعها أمرها ) ، مثل ذلك ، أي تظن أنه ليس أمرها وشأنها إلا أن يطعمها أربابها لتشبع وتحسن وتسمن ، ليس يريدون بها غير ذلك . ثم خرج عليه السلام من هذا الفن إلى فن آخر ، فأقسم أنه لو شاء أن يخبر كل واحد منهم من أين خرج ، وكيفية خروجه من منزله ، وأين يلج ، وكيفية ولوجه ، وجميع شأنه من مطعمه ومشربه ، وما عزم عليه من أفعاله ، وما أكله ، وما ادخره في بيته ، وغير ذلك من شؤونه وأحواله ، لفعل .